ابراهيم بن محمد الإِفلِيلي
22
شرح معاني شعر المتنبي ( السفر الأول )
لهذا أصبر الحيوان على العطش ، وبحسب حاجته إلى الريح ، يرتقبها ، وبضرورته إليها يعتني بطلبها . فيقول : لقد لعب البين بها وبي ، يريد : محبوبته ، فشتت ما التأم من شملنا ، وأبعد ما اتصل من قربنا ، وزودني بعد رحلتها وانتزاح دارها ، ما يتزود الضب من تنسم الريح ، فأنا أستشرف إلى هبوبها ، فما هب منها من نحو بلادها أنست به ، وسكنت إليه ، وارتحت له ، وحرصت عليه . وعشاق العرب يفعلون ذلك ويذكرونه كثيراً في أشعارهم ، فأشار أبو الطيب بذكره الضب ، إلى هذا المعنى أحسن إشارة ، ودل عليه أبين دلالة . وَمَنْ تَكُنِ الأُّسْدُ الضَّواري جُدُودَهُ . . . يَكُنْ لَيْلُه صُبْحاً وَمَطْعَمُهُ غَصْبَا ولما ذكر انقطاع الأسباب بينه وبين محبوته ، وتقلب الأحوال به وبها ، وتصريف الزمان له ولها ، أخذ في ذكر بعض ما تصرف فيه ، فقال : ومن تكن أنجبته الأسود الضارية ، وولدته السباع العادية ، كان ليله صبحاً لكثرة سراه فيه ، ومطعمه غصباً لخفة الاغتصاب عليه . وأَشار بهذه الحال إلى نفسه ، فأبان عن صرامته وشدتهن ودل على اعتزامه وقوته .